عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : العصامي )
26
الإمام البروجردى
وقد درس في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف لمدّة تسع سنوات على يد العلمين : الآخوند الخراساني ، وشيخ الشريعة الأصفهاني . ودرس خلال تلك المدّة الفقه والأُصول والرجال . وقد أدّت مشاركته الفاعلة في حلقات دروس فقهاء النجف إلى إثارة الشغف والاندفاع والشوق في تلك الحوزة ، بحيث كان ما يتّصف به من النباهة والذكاء وحدّة الفهم مدعاة لدهشة الجميع ، وذاع في معظم
--> - لدرسه روعة أكثر من دروس الآخرين . مضافاً إلى ذلك ، فإنّه كان - بعد درس الأُستاذ - يقوم بتقرير الدرس لجمع غفير من الطلّاب . وكان يحضر - مضافاً إلى درس الآخوند - درس شيخ الشريعة الأصفهاني والسيّد صاحب « العروة الوثقى » ، بيد أنّه كان يتحدّث دائماً عن ذكريات درس الآخوند بكلّ تلهّف ونشاط ، حتّى كأنّه يجلس الآن أمام أُستاذه في حلقة الدرس . فمن تأليفاته دورة حاشية « كفاية الأُصول » ، وهي ثمرة من ثمرات تلك الفترة ، وأنا لم أظفر عليها لحدّ الآن ، وكان يحكي - كما سمعته - قضايا عن أُستاذه فيما يخصّ نظام المشروطة ، وما رآه مرّتين في المنام من سقوط أُستاذه من السطح مرّة ، ومرّة أُخرى أُصيب بالرصاص - وهو على منبر التدريس في المسجد الهندي - فسقط على الأرض مضرّجاً بدمه ، وقد استقبله سيّدنا الأُستاذ ، ورفعه على صدره وهو في صورة طفل ، فكأنّه أُلهم في المنام بما سيلقاه أُستاذه الكبير من الصدمات في قضيّة المشروطة . أقام السيّد الأُستاذ في النجف من سنة 1320 حتى سنة 1328 ه ، ثمّ عاد إلى بروجرد أواخر تلك السنة إثر طلب متكرّر من أبيه ، على أمل أن يعود إلى النجف ثانية ، بيد أنّه لم ينجح في ذلك . رجع حاملًا معه إجازة أُستاذه الآخوند الخراساني وشيخ الشريعة الأصفهاني وقد أجازاه في نفس السنة ، كما ستقف عليها ونبحث عنها في آخر هذا البحث . وقد تأسّف الأُستاذ الخراساني على فراقه فيما يدور بينهما من الرسائل ، وكان الامام البروجردي هو الآخر يعبّر عن مدى تأثّره دائماً بسبب فراق النجف . وسمعته يقول : بأنّه يأمل العودة إلى النجف . وبالفعل صمّم على ذلك آخر الأمر ، حيث غضب على أعمال الشاه المضادة للإسلام . وكان هذا مغادرة وإعراضاً منه وطعناً بالنظام الحاكم يوم ذاك . وكان في فترة من الزمن يهيّيء أسبابه ، لكنّه انصرف وعاجلته المنيّة قبل تحقيق أُمنيته . ( حياة الإمام البروجردي : 45 - 48 ) .